الرئيسية » كل الأخبار » عالمية » موقع حقوق الإنسان في سياسة بايدن الخارجية

موقع حقوق الإنسان في سياسة بايدن الخارجية

هل يعطي الرئيس الأمريكي جو بايدن حقوق الإنسان أولوية في سياسته الخارجية؟ بالنسبة لكثير من الليبراليين الأمريكيين تبدو أزمة أفغانستان مؤشراً سلبياً على مدى التزام بايدن بحماية حقوق الإنسان في سياسته الخارجية.

إذ ينبع قرار بايدن، بسحب القوات والالتزام بالجدول الزمني الذي فرضه على نفسه، من رغبته العنيدة في تفكيك مشروعٍ أثبت فشله، حسبما ورد في مقال كتبه جيمس تروب، الزميل غير المقيم في مركز التعاون الدولي بجامعة نيويورك، في مجلة Foreign Policy الأمريكية.

وكان هذا القرار يعني التخلي عن ملايين الأفغان الذين تمتعوا بمزايا لا حصر لها تحت الهيمنة الأمريكية. لكن بايدن لم يكن على قناعةٍ مطلقاً بأنّ رفاهية الأفغان أنفسهم يجب أن تدخل في حسابات أمريكا. 

وسبق أن اختار بايدن لنفسه دوراً واضحاً في المناظرة الملحمية حول الحرب عام 2009، حين أعلن معارضته لتبني استراتيجية قائمة على مكافحة التمرد مثل التي دعا لها جنرالات الرئيس باراك أوباما آنذاك، وجادل بدلاً من ذلك بضرورة تبني استراتيجية قائمة على “مكافحة الإرهاب فقط” لحماية المصالح الأمريكية – حتى في حال استعادة حركة طالبان السيطرة على البلاد.

لمن يعطي الأولوية حقوق الإنسان أم مصالح أمريكا؟

لكن بايدن لا يعتبر نفسه واقعياً وغير عاطفي؛ إذ دعا بكل حماس للتدخل في البوسنة من أجل وقف أعمال القتل، حين كان عضواً في مجلس الشيوخ، كذلك انتقد بشدة انتهاكات حقوق الإنسان في الصين -الخصم- والمملكة العربية السعودية -الحليفة- حين كان مرشحاً للرئاسة. 

ورغم حديثه في خطاب الأسبوع الماضي الذي حسم الجدل في وجهة نظره حول الدفاع عن “المصالح الوطنية الحيوية” للولايات المتحدة، لكنه شدّد في الوقت ذاته على أنّ “حقوق الإنسان ستكون في محور اهتمامات سياسته الخارجية”.

ومع ذلك، يرى  الكاتب أنّ حماية المصالح الوطنية الحيوية والدفاع عن حقوق الإنسان لا يمكنهما أن يشغلا معاً “محور اهتمامات” السياسة الأمريكية لسببٍ بسيط، هو أنهما سيتصادمان في كثيرٍ من الأحيان. وفي مواجهة تلك التوترات الحتمية، سوف يميل بايدن دون تردد إلى المصلحة الوطنية الأمريكية، إذ لا يربط بايدن مشاعره الشخصية بنظرته المستقبلية السياسية، فهو ليس مُنَظِّراً. 

ويضيف جيمس تروب: “أعتقد أنّ بايدن كان محقاً في تفكيك هذا المشروع الفاشل في أفغانستان، وتركيز الطاقات الأمريكية في أماكن أخرى – حتى وإن كان ذلك يعني هجر أفغانستان وتركها لوزراء طالبان”.

سمعة أمريكا تضررت جراء عمليات الإجلاء/رويترز

ويبقى السؤال: هل كان بايدن يستطيع أن يبذل جهوداً أكبر لتأمين مغادرة الأفغان الراغبين في الفرار إذا كان لديه شعور بالواجب الأخلاقي المُلزم بفعل ذلك. وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إنّ الولايات المتحدة تُواصل التفاوض مع طالبان لإخراج الأمريكيين والأفغان المتبقين على حد سواء، وربما سنرى مدى أهمية الأفغان بمجرد وصول جميع الأمريكيين إلى أرض بلادهم.

فما الذي تعلّمناه عن بايدن هنا؟ يرى تروب أن فكرة أنّ بايدن أدار ظهره للحلفاء والتدخل الدولي حين قرّر الخروج من أفغانستان هي فكرةٌ سخيفة، وهذا لأنّ بايدن شخصيةٌ أممية ملتزمة. ومع ذلك، يمكن القول إنّ تصرفه ذكّر حلفاء أمريكا بعادتها أن تفعل ما في صالحها أولاً ثم تخبر العالم بالقرار لاحقاً. وكان قراره القاطع هذا أشبه بأسلوب جورج بوش الابن أكثر من جورج بوش الأب. ويكمن الاختلاف في ظروف الوقت الحالي أكثر من الأفراد، حيث إنّ الأمريكيين باتوا أكثر عزلة وتركيزاً على أوجاعهم الخاصة مقارنةً بالأيام الهادئة في نهاية الحرب الباردة.

نسخة بايدن من حقوق الإنسان تركز على هذه الدول

وفي هذه اللحظة التي تسودها مشاعر الخوف والغضب، ليس من الصعب أن نتفهم سبب تجنّب بايدن للغة الشمولية الأخلاقية التي يعتنقها أنصار الليبرالية، سواء كانت مناسبة أو منافقة. ولكن كيف ستتوافق نسخته الجديدة من “أمريكا أولاً” مع التزامه المعلن تجاه حقوق الإنسان؟

إذ لن يتردد بايدن في انتقاد انتهاكات روسيا أو الصين، ولكن ماذا عن انتهاكات الدول التي تُمثل حليفاً قوياً ضد أولئك الخصوم مثل بولندا والهند؟ ومثالٌ آخر على ذلك، هل سيشغل بايدن باله بالديمقراطيات الهشة مثل تونس، التي قد لا يضر انهيارها بالمصالح الوطنية الحيوية الأمريكية؟ لا أحد يعتقد ذلك.

وتُنظم إدارة بايدن حالياً مؤتمراً للديمقراطية، سيُعقد عبر الإنترنت على الأرجح، بحلول نهاية العام الجاري. وبايدن على قناعةٍ واضحة بأنّ أمريكا ستستفيد من جعل العالم مكاناً أكثر أماناً للديمقراطية. وقد كتب بلينكن في برقيةٍ أرسلها، في يوليو/تموز، إلى كافة الهيئات الدبلوماسية: “إنّ الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في كل مكان لا يتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية أو أمننا القومي”. وهي وجهة نظرٍ لطيفة، لكن الحاضرين في المؤتمر سيدركون سريعاً أنّ الديمقراطية الوحيدة التي تهم بايدن هي ديمقراطيته. وسيتعيّن على الإدارة التغلب على الشكوك في أنّ الغرض الحقيقي من هذا المؤتمر هو إعلان “عودة أمريكا”.

يقول جيمس تروب: “في خطاب الانسحاب، أعلن بايدن أنّ طريق النهوض بحقوق الإنسان لا يبدأ بنشر القوات العسكرية، بل يأتي من خلال الدبلوماسية والأدوات الاقتصادية وطلب الدعم من بقية العالم. وهذه وجهة نظرٍ لطيفة أيضاً. لكن بايدن أثبت حتى الآن التزامه بالجانب السلبي فقط، وليس الإيجابي”.