الرئيسية » أخبار رئيسية » ماذا وراء الموجة الثانية من اعتقالات الأمراء في السعودية؟
أم الدنيا ـ ماذا وراء الموجة الثانية من اعتقالات الأمراء في السعودية؟

ماذا وراء الموجة الثانية من اعتقالات الأمراء في السعودية؟

حالة من الغموض أحاطت مشهد الاعتقالات الجديدة التي طالت أمراء ومسؤولين سعوديين خلال الأيام القليلة الماضية، والتي تأتي بعد نحو عامين على الموجة الأولى من اعتقالات طالت العشرات من الأمراء وكبار المسؤولين ورجال الثروة والمال في المملكة.

امتد هذا الغموض ليشمل أسباب الاعتقال وأسماء أغلب المعتقلين، في ظل تسريبات لموقع “ميدل إيست آي” أشارت إلى أنه جرى احتجاز ما لا يقل عن 20 أميرا، بينهم ولي العهد وزير الداخلية السابق، الأمير “محمد بن نايف”، وشقيقه الأمير “نواف”، والأمير “أحمد”، شقيق العاهل السعودي “سلمان بن عبدالعزيز”، في إطار عملية تطهير جماعية يقودها ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”.

ومما زادت من كثافة التكهنات أن الاعتقالات الأخيرة جاءت متزامنة مع حركة غير طبيعية في الديوان الملكي السعودي في وقت متأخر من يوم الأربعاء الماضي، وفقا لما أورده موقع “الجزيرة نت”.

ويضيف وضع الأمير “محمد بن نايف” على وجه الخصوص مزيدا من الأسئلة والشكوك، إذ يقبع الأمير قيد الإقامة الجبرية منذ الإطاحة به من ولاية العهد لصالح “بن سلمان” عام 2017، حسبما نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مصادرها، بما يعني أن كل تحركاته ظلت خاضعة للمراقبة، وأنه لم يتورط في أي أمر جديد يبرر اعتقاله.

محاولة انقلاب

تقدم مصادر صحيفة “وول ستريت جورنال” طرفا من الجواب حول أسباب اعتقال الأميرين “أحمد بن عبدالعزيز” و”محمد بن نايف”، وتبرر ذلك بمحاولة انقلاب مزعومة تورط فيها الأميران.

وينسجم ذلك مع ما أوردته وكالة “رويترز” حيث أكدت الوكالة أن “بن سلمان” اتهمهما بإجراء اتصالات مع قوى أجنبية، خاصة الأمريكيين، ومحاولة تنفيذ انقلاب بدعم من قبائل نافذة.

ويستند المرجحون لتلك رواية إلى صلات “بن نايف” الوثيقة بأجهزة الأمن والمخابرات الأمريكية عندما كان يتولى وزارة الداخلية وولاية العهد، والتي يمكن أن يسفر الجمع بينها وبين النفوذ القبلي عن تحرك انقلابي.

هذه الصلات لم تنقطع بالكلية بعد إزاحة “بن نايف” من ولاية العهد، حسبما تشير تسريبات لحسابات مهتمة بكواليس الديوان الملكي السعودي عبر “تويتر”، منها “العهد الجديد”، الذي أكد حدوث لقاءات بين ولي العهد السابق ومسؤولين أمريكيين، أثناء قيامه بجولة صيد على أطراف الرياض، على مرأى ومسمع من رجال المراقبة.

وفي هذا الإطار، ذكر حساب “مجتهد” أن الاعتقالات شملت ضباطا في الأجهزة الأمنية والجيش والحرس الوطني، ممن يعتقد أن لهم ولاء لـ”بن نايف”، أو الأمير “أحمد بن عبدالعزيز”، ومنهم نجل الأخير (الأمير نايف)، الذي يتولى منصبا رفيعا في القوات المسلحة.

في السياق ذاته، أكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مصادرها أن حملة الاعتقالات شملت عشرات المسؤولين في وزارة الداخلية والضباط رفيعي المستوى في الجيش، وأنه جرى استدعاء وزير الداخلية “عبدالعزيز بن سعود”، ووالده، أمير المنطقة الشرقية “سعود بن نايف”، للاستجواب، وهي تحركات تنم عن عملية تطهير واسعة تستهدف بقايا الموالين لـ”بن نايف” في الأجهزة الأمنية.

ويبدو أن رجال الأمن والجيش والحرس الوطني من هذه الفئة يمثلون قلقا لـ”بن سلمان” منذ موجة اعتقالات الأمراء الأولى في فندق ريتز كارليتون التي شملت وزير الحرس الوطني المقال، الأمير “متعب بن عبدالله”، نجل الملك الراحل “عبدالله بن عبدالعزيز”، والأمير “فهد بن عبدالله بن محمد”، نائب قائد القوات الجوية الأسبق.

وبحسب “بلومبرج” فقد أبلغ الديوان الملكي السعودي أفرادا كبارا من العائلة المالكة بأن الأميرين “أحمد بن عبدالعزيز” و”محمد بن نايف” كانا يخططان لانقلاب، وقدم لهم أدلة على المؤامرة المزعومة.

تذمر منظم

لكن الباحث السياسي “علي ناصر الدين” يستبعد فرضية محاولة الانقلاب المزعومة، ويرى أنه إن كان هناك تحرك ما، فقد يكون بدافع “التذمر” من التغييرات التي يقوم بها “بن سلمان”، وهو ينحصر في محاولة إقناع العاهل السعودي بإزاحة نجله عن ولاية العهد، وفقا لما نقلته قناة “الجزيرة”.

وفي هذا الإطار، ذكرت وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية أن قرار “بن سلمان” بوقف الزيارات الدينية للحرم المكي جراء فيروس كورونا كان أحد أسباب تذمر الأمراء المعتقلين، خاصة في ظل استمرار حفلات الترفيه وتأشيرات السياحة.

ونقلت الوكالة عن مصادرها أن مشهد الحرم وهو خال من الطائفين أثار ضيق الأمير “أحمد بن عبدالعزيز”، الذي عبّر لدوائره المحيطة عن استيائه.

وتتسق هذه القراءة مع إفادة مصدرين لـ”رويترز” أكدا أن بعض أفراد الأسرة السعودية سعوا لتغيير ترتيب وراثة العرش، معتبرين أن الأمير “أحمد بن عبدالعزيز”، يمكن أن يحظى بدعم أفراد الأسرة والأجهزة الأمنية وبعض القوى الغربية كبديل لـ”بن سلمان”، الذي أثار “استياء بين بعض الفروع البارزة للأسرة الحاكمة بسبب تشديد قبضته على السلطة”، وطرح أسئلة حول قدرته على قيادة البلاد بعد جريمة اغتيال الكاتب الصحفي “جمال خاشقجي” على يد عملاء حكوميين داخل القنصلية السعودية بإسطنبول عام 2018 وتعرض البنية التحتية النفطية السعودية لأكبر هجوم على الإطلاق العام الماضي.

ووفقا لهذه المصادر، ينظر العديد من أمراء العائلة المالكة إلى الأمير “أحمد” (77 عاما) باعتباره “الأمل المنتظر”، ويعتقدون أنه الوحيد الذي يستطيع الحفاظ على آل سعود وفق صيغة الحكم التاريخية القائمة على مبدأ التشارك الأفقي في توزيع السلطة بين أفرع العائلة، في مقابل صيغة الدولة المركزية التي يؤسسها “بن سلمان”، خاصة أنه كان واحدا من 3 أشخاص فقط في هيئة البيعة، التي تضم كبار أفراد الأسرة الحاكمة، عارضوا ترشيح “بن سلمان” لولاية العهد في عام 2017.

وفي حال صحة هذه الرواية فإن ذلك يعني محاولة من جانب الأمراء المعتقلين للتواصل مع الملك “سلمان” مباشرة لإقناعه بإعاجة صيغة الحكم التاريخية للمملكة.

في سياق متصل، نقلت “أسوشيتد برس” عن مصدر سعودي مطلع قوله إن اعتقالات الأمراء الأخيرة مثلت إنذارا إلى جميع أفراد العائلة المالكة من الذين يشعرون بأنهم محرومون من حقهم، بالتوقف عن التذمر وبدء دعم القيادة، وتوجيه رسالة إليهم، مفادها أنه إذا أمكن القبض على الأمير “أحمد بن عبدالعزيز” فإن أي أمير يمكن أن يكون عرضة للاعتقال.

وفي السياق ذاته، تقرأ المحللة السياسية بمؤسسة راند الأمريكية “بيكا فاسر” الموجة الثانية لاعتقالات الأمراء السعوديين على أنها خطوة أخرى من جانب “بن سلمان” لـ”تكريس سلطته” وردع أي شخص تسول له نفسه معارضته بمن في ذلك كبار أعضاء العائلة المالكة.

وتستبعد “فاسر” فرضية محاولة الانقلاب، باعتبار أن “بن سلمان” كان قد أزال من أمامه بالفعل أي تهديدات تعيق صعوده للسلطة في موجة الاعتقالات الأولى، وسجن وقتل منتقدي نظامه دون أي تداعيات، وفقا لما أورده “الجزيرة نت”.

الترجيح ذاته يؤيده “ستيفن هيرتوج”، من كلية لندن للاقتصاد، مشيرا إلى أن أمراء موجة الاعتقال الثانية “لا قدرة تذكر لهم على الوصول لموارد الدولة”، وفقا لما أورده موقع “العربي الجديد”.

صدع أعمق

وسواء كان دافع موجة اعتقال الأمراء الثانية هو محاولة انقلاب أو تنظيم تذمر ضد “بن سلمان”، فإن رجال الأميرين “محمد بن نايف” و”أحمد بن عبدالعزيز”، هم القاسم المشترك في دعم أي من التحركين، حسب رؤية فريق السلطة الحالي بالمملكة، والذي يخضع بالولاء المطلق لولي العهد.

من هنا جاء ربط بعض مراقبي الشأن السعودي بين موجة اعتقال الأمراء الثانية وبين حادثة مقتل الحارس الشخصي للملك سلمان “عبدالعزيز الفغم” في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، التي روجت لها الرواية الرسمية السعودية في سياق “شجار بين الفغم وصديقه” أدى إلى مقتلهما، وهي الرواية التي اعتبرها المراقبون محاطة بالعديد من الشواهد على كذبها، ومليئة بالثغرات في ذاتها.

وفي هذا السياق، يشير المغرد الشهير “مجتهد” إلى أن “بن سلمان” لطالما اعتبر “الفغم” من الحرس القديم الذي يوالي آل سعود عموما ولا يثق بإخلاصه له شخصيا، وعبر أكثر من مرة رغبته في إبعاده عن القصر.

وفي حال صحة هذه الفرضية، فإن التخلص من “الفغم” ربما يكون قد جاء كرد فعل على محاولته التجسس على الملك وولي عهده لصالح مجموعة الأمراء المعارضين الذين تم استهدافهم خلال موجة الاعتقالات الأخيرة.

وبغض النظر عن مدى صحة هذه الاحتمالات، يبقى الأمر المؤكد أن التطورات الراهنة من شأنها أن تعمق التصدعات داخل أسرة آل سعود، على الرغم من الدعم العلني لولي العهد من قبل أعضاء كثيرين في العائلة الملكية، وفقا لما أوردته “وول ستريت جورنال”.

وتنوه الصحيفة الأمريكية إلى أن هذا الصدع مرشح للاستمرار في الوقت الذي تؤشر فيه التطورات الاقتصادية إلى مواجهة المملكة لمشكلات على خلفية الهبوط الحاد لأسعار النفط وعدم تمكن البلاد من جذب الاستثمارات الأجنبية التي شهد حجمها تراجعا مستمرا منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008.

وينذر هذا الإشكال بتحد قوي لسلطة ولي العهد، خاصة أن تقديرات الميزانية السعودية لسعر برميل النفط في حدود 80 دولارا للبرميل، وهو تقدير أثبت الواقع أنه شديد التفاؤل، وبعيد تماما عن الواقع، الذي يؤشر إلى احتمال انخفاض سعر البرميل إلى أقل من 30 دولارا وربما 20 دولارا للبرميل، على خلفية تفشي فيروس كورونا من جانب، ورفض روسيا لمشاركة السعودية في خفض الإنتاج من جانب آخر.

ولذا يتوقع “جيفري مارتن” أن يواصل “بن سلمان” حملة قمعه ضد الأمراء المعارضين ويشدد قبضته على السلطة كلما هبطت عائدات النفط؛ بهدف وأد أي محاولة لطرح للتشكيك في سلطته وصلاحيته لتولي العرش السعودي.

نقلا عن”الخليج الجديد”