الرئيسية » أخبار رئيسية » “ناشونال إنترست”: إيران مستعدة للحرب الكبرى المقبلة في الشرق الأوسط
أم الدنيا ـ "ناشونال إنترست": إيران مستعدة للحرب الكبرى المقبلة في الشرق الأوسط
أرشيفية

“ناشونال إنترست”: إيران مستعدة للحرب الكبرى المقبلة في الشرق الأوسط

كتب الباحث جوناثان روهي مقالة في مجلة “ذا ناشونال إنترست” الأميركية تناولت قدرات إيران العسكرية.

وقال الكاتب: يلوح في الأفق الصراع الكبير في الشرق الأوسط، وإيران على الطريق الصحيح لتحقيق النصر. إن هجومها المفاجئ في أيلول / سبتمبر على منشأة النفط السعودية في بقيق ونقص الرد الصارخ هو نموذج مصغر لكيفية انشغال طهران في كسب التفوق الاستراتيجي على الولايات المتحدة وحلفائها.

فباستخدام أسراب من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى الجديدة، يمكن لإيران ووكلائها الآن أن يهددوا حقيقة بتوجيه ضربات معيقة وربما كارثية ضد أهداف استراتيجية حيوية في جميع أنحاء المنطقة. هذه وظيفة لثلاثة عوامل: أسلحة إيران المطورة، والتوسع الإقليمي لتطويق أعدائها، وعدم وجود عمق استراتيجي يملكه هؤلاء الأعداء.

ومن المثير للدهشة كيف أن إيران تبني هذا النفوذ على الرغم من العقوبات والقوات العسكرية التقليدية القديمة وموازنة الدفاع الصغيرة وعدم حيازتها أسلحة نووية. وهي تخلق، عوضاً عن ذلك، مزايا هجومية واضحة عن طريق زيادة دقة ومدى الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار.

وعلى الرغم من أنها تحظى باهتمام أقل من قاذفات الإيصال النووي، إلا أن التقدم في المدى وقدرة الفتك والدقة في الصواريخ الباليستية التقليدية قصيرة المدى (SRBM) يبعث على القلق. كما أن إيران تنتج صواريخ باليستية مضادة للسفن مع توجيهات محسنة وقدرة على المناورة.

كما يتم تجاهل صواريخ كروز على الرغم من أنها تعتبر أكثر أهمية. إذ تمتلك إيران صواريخ “كروز” برية للهجوم الأرضي على نحو متزايد مثل تلك التي استخدمت لتدمير بقيق ويمكن للبعض أن يغطي منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وتنتج طهران أيضاً صواريخ كروز طويلة المدى مضادة للسفن (ASCM) يمكن إطلاقها من بطاريات برية متنقلة أو من أسراب قوارب الصواريخ، والتي أطلق عليها تقرير أصدرته البنتاغون مؤخراً “السفن الرئيسية” لأسطول الخليج الفارسي الإيراني. تقوم إيران أيضًا بتطوير صواريخ كروز تطلقها الغواصات.

تشكل الطائرات من دون طيار الجزء الثالث من ثالوث القوة الايرانية. في كثير من الأحيان تسمى “ذخيرة الرجل الفقير”، لكن ايران وحلفاءها يستخدمونها في عمليات الكاميكاز (الانتحارية) وغالباً ما تزود برأس حربي. وفي الآونة الأخيرة قامت إيران بتحسين دقة هذه الأسلحة من خلال النماذج الغربية التي تم الاستيلاء عليها. بفضل هذه التطورات أصبحت الطائرات الإيرانية من دون طيار والصواريخ “أسلحة ذات فاعلية جماعية” عند استخدامها مجتمعة المواجهة حتى الدفاعات المتطورة.

كما تقوم طهران بتصدير هذه الأسلحة في جميع أنحاء المنطقة. يمتلك حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن ترسانات متنامية من الأسلحة عالية الدقة من الصواريخ قصيرة المدى وصواريخ كروز طويلة المدى المضادة للسفن وطائرات من دون طيار التي توفرها إيران التي تحاول تدريب مجموعات من حزب الله لتحويل آلاف الصواريخ غير الموجهة وقذائف المدفعية من عيار كبير إلى صواريخ دقيقة. كما تقوم ايران بتزويد وكلائها في العراق وسوريا بالصواريخ قصيرة المدى وبالطائرات بدون طيار.

وبات ممكناً على نحو متزايد استهداف دول الخليج من إيران والعراق واليمن؛ ويجب على “إسرائيل” توقع توجيه ضربات اليها من لبنان وسوريا والعراق وحتى من اليمن كما يمكن ضرب القوات الأميركية من السواحل الايرانية. هذا التطويق يعزز القوة الكلية(غير المحدودة) التي يمكن لإيران استخدامها ضد خصومها حتى لمسافات بعيدة. بالإضافة إلى ذلك فإن لدى طهران إمكانية للمبادرة الى الهجوم من الاتجاه الذي تختاره أو من اتجاهات عدة في وقت واحد مع قدرتها على المواجهة وتوفير حماية لـ360 درجة.

هذا التهديد متعدد الاتجاهات يجبر أعداء إيران على نشر جهودهم المضادة بشكل أدق: لسنوات كان السعوديون والإماراتيون غارقين في اليم ، واليوم تلعب “إسرائيل” لعبة الضرب على جبهات متعددة.

تعزيز هذا العمق الاستراتيجي لإيران يزيد من تآكل خصومها، الذي يقتصر بالفعل على أعداد صغيرة للغاية من الأهداف المهمة للغاية. مع الأسلحة الجديدة والتوسع الإقليمي، تكتسب طهران نفوذاً استراتيجياً كبيراً من خلال احتجاز هذه الأهداف الأساسية كرهائن.

حالياً، يوجد نحو ستين ألف جندي أميركي منتشرين في الشرق الأوسط، لكنهم يتركزون في نقاط كبيرة في العراق، وبعض القواعد الجوية والبحرية في الخليج الفارسي، وعلى السفن الحربية. كما يعمل حلفاء أميركا الإقليميون من خلال حفنة من القواعد الجوية والبحرية.

وتعتمد كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة و”إسرائيل” على مينائين فقط، وعلى الناقلات العملاقة وسفن الحاويات التي تسير بخطى بطيئة، وذلك من أجل بقائها الاقتصادي. محطات توليد الكهرباء والمعالجة الكيميائية ومعالجة المياه هي قليلة كذلك، بحيث أن مهاجمة الموقع الرئيسي لتحلية المياه في السعودية قد يؤدي فعلياً إلى انقطاع إمدادات المياه في البلاد لمدة عام. تركز المشروعات الخليجية الكبرى مثل ناطحات السحاب والمطارات على أصول قيمة في أهداف فريدة كبيرة.

لسنوات، ضرب الحوثيون هذه الثغرات بدقة، مستخدمين صواريخ وطائرات بدون طيار دقيقة ضد المباني الحكومية السعودية والقواعد العسكرية والمطارات وخطوط الأنابيب ومحطات الضخ، بالإضافة إلى السفن التجارية وناقلات النفط والقوات البحرية الأميركية والقوات البحرية المتحالفة حول باب المندب المضيق الحيوي.

لقد استهدفوا أخيراً مدارج ومحطات في المطارات السعودية. في الواقع، فإن سعي إيران لإطلاق صواريخ دقيقة بعيدة المدى وطائرات بدون طيار يعني أنه لا يمكنها الآن تهديد أهداف المنطقة مثل المدن أو القواعد المترامية الأطراف فحسب، بل الأهم من ذلك هو إمكانها استهداف الأهداف للبنية التحتية الحيوية مثل مراكز القيادة العسكرية، وحظائر الطائرات، والأرصفة، وتقاطعات الطرق السريعة، وأبراج التبريد والقصور والسفارات.

في هذا السياق الأوسع، فإن أهمية هجوم بقيق تتجاوز بكثير النفط. ففي 17 دقيقة فقط، تسببت 18 طائرة بدون طيار وسبع صواريخ كروز التي سارت على بعد أربعمائة ميل من الشمال الشرقي على مسارات منخفضة التحليق في إلحاق أضرار جسيمة بمباني متعددة في أكبر منشأة لمعالجة النفط في العالم. وفي الوقت نفسه، واجهت الدفاعات السعودية جنوب غرب اليمن. وبحسب ما ورد فقد فكرت إيران في مهاجمة ميناء بحري أو مطار أو قاعدة عسكرية أميركية قبل اختيار بقيق.

ولعل الأمر الأكثر دلالة هو أن الرياض لم تفعل شيئاً رداً على ذلك بينما قدمت واشنطن مجرد فرض عقوبات جديدة. وهذا يسلط الضوء على مدى تطور إيران وانتشار المقذوفات الدقيقة بعيدة المدى التي تحولت إلى مزايا استراتيجية حقيقية.

قبل فترة من هجوم بقيق، تحوطت الإمارات العربية المتحدة بالفعل تجاه طهران – بما في ذلك إنهاء العمليات العسكرية ضد الحوثيين. وبدأت الإمارات أيضاً في مناقشة الأمن البحري مع إيران، حتى أثناء مشاهدة القوات الإيرانية وهي تهاجم حرية الملاحة في الخليج الفارسي. منذ بقيق، بدأت الرياض بهدوء متابعة تقدم دولة الإمارات (في التواصل مع إيران)، في حين أن الولايات المتحدة تبدي تردداً واضحاً في التصعيد بما يتجاوز التدابير الاقتصادية (ضد إيران).

من المؤكد أن “إسرائيل” أكثر حركية واستباقية ضد إيران. مع ذلك، فإن حزب الله هو “أسطول في الوجود”، أو قوة قابضة، تقيد حرية حركة “إسرائيل”، التي تتسامح بشكل أساسي مع إطلاق الصواريخ بشكل منتظم من غزة على أنه إلهاء عن الجبهة الشمالية. كما يهدد حزب الله بالانتقام الشامل من أي عمل إسرائيلي أكثر قوة ضد إيران.

حتى الآن، سحبت كل من إيران و”إسرائيل” أكبر ضرباتهما. لكن طهران وحلفاءها يمكن أن يلحقوا أضراراً أكبر بكثير من هجوم بقيق – إذا اختاروا القيام بذلك. ويحذر المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون من أن طهران لم ترتدع ويتوقعون المزيد من الهجمات.

إن الاستراتيجية الحقيقية لحملة “أقصى ضغط” الأميركية ضد إيران ستتجاوز العقوبات، لردع إيران وتقليل استخدامها ونشرها للقواذف الدقيقة في المقام الأول. إن تعزيز إدارة ترامب مؤخراً لدفاعات الصواريخ الباليستية الخليجية، رغم أنه ضرورة، إلا أنه غير كافٍ. تستطيع دفاعات صاروخ كروز، بما في ذلك أنظمة الأسلحة القريبة، اكتشاف ترسانات إيران وإلحاق الهزيمة بها على نحو أفضل. ورغم الصعوبة، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون إلى تنسيق شبكات دفاعاتهم الصاروخية.

هذا يستغرق بعض الوقت. ويمكن للولايات المتحدة وغيرها البدء فوراً في فرض حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران واليمن من خلال منع عمليات نقل الأسلحة التي تقوم بها طهران. يجب على الولايات المتحدة أن تضمن كذلك أن “إسرائيل” تمتلك المنصات والذخيرة لمواصلة مواجهة الانتشار الإيراني.

يؤكد المسؤولون الأميركيون بحق على ضرورة استعادة الردع ضد إيران. إن الوصول إلى ذلك يتطلب من الولايات المتحدة أن تضغط بإلحاح حقيقي ضد خصم يكتسب بالفعل التفوق الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

*جوناثان روهي هو مدير السياسة الخارجية في المعهد اليهودي للأمن القومي في مركز “غيموندر” للدفاع والاستراتيجية