الرئيسية » أخبار رئيسية » السعودية والإخوان المسلمون في اليمن.. محطات من المدّ والجزر
أم الدنيا ـ السعودية والإخوان المسلمون في اليمن.. محطات من المدّ والجزر

السعودية والإخوان المسلمون في اليمن.. محطات من المدّ والجزر

خلافاً لفروع تنظيم الإخوان المسلمين التي انبثقت عن التنظيم الدّولي للإخوان المسلمين في مصر؛ حيث بلد النشأة والتطور والامتداد، منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، وامتداداته في المشرق والمغرب العربي منذ أواخر الثلاثينيات، فإنّ تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن لم يظهر إلى العلن إلّا بعد العام 1990، بعد إقرار التعددية السياسية دستورياً؛ حيث تأسّس باسم “التجمّع اليمني للإصلاح”، بخليط من قيادات قبلية ودينية، وتحديداً في الشطر الشمالي من اليمن، برئاسة الشيخ عبدالله الأحمر، باعتباره زعيماً قبلياً يرتبط بعلاقات وثيقة ومتشعبة مع المملكة السعودية، تشمل قيادات سياسية وقبلية وأمنية.

نسجت السعودية علاقاتها مع تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن، في إطار المشهد العام لإستراتيجيها في اليمن، المتضمّنة احتواءه عبر مراحل تاريخه، وصياغة إداراتها للصراعات فيه، وعلى هامشه، بما يخدم تطلعاتها، لذلك اتّسمت هذه العلاقة بالتقلب والتوظيف، في إطار براغماتية، تراوحت بين الصداقة والرعاية والتحالف والعداوة والاستهداف، تبعاً لمتغيّرات الصراع بين القوى اليمنية. ولإلقاء الضوء على تطورات هذه العلاقة ومنحنياتها، تمّ تقسيمها وبإيجاز إلى مرحلتين هما؛ ما قبل وما بعد الربيع العربي:

ما قبل “الربيع العربي”

في مرحلة بدايات الثورة على الملكية الإمامية، وظهور بوادر للانقلاب على النظام الإمامي، تمهيداً لإنشاء النظام الجمهوري، في أواخر ستينيات القرن الماضي، لعبت السعودية حينها دوراً مفصلياً في إنجاز المصالحة بين دعاة التمسّك بالإمامية ودعاة النظام الجمهوري، مع ميول غير خافية بدعم الإماميين، حفاظاً على النظام الملكي، بما في ذلك، ما شهدته تلك المرحلة من محاصرة للجمهوريين، في إطار سياق عامّ برفض القومية واليسارية، والتمسّك بإسلامية المجتمع اليمني، في سياقات الحرب على الشيوعية في تلك المرحلة، التي اتُّهِم الجمهوريّون فيها بأنّهم يتبنّون أفكاراً خارجة عن الإسلام، ومن اللّافت أنّ السعودية، رغم الخلافات المذهبية، تحالفت في تلك المرحلة مع الزيدية ضدّ الإخوان المسلمين.

وكان قطاع التعليم في اليمن أبرز حلقات الصراع بين السعودية ومصر وسوريا، حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، بعد إرسال مصر وسوريا عدداً من البعثات التعليمية إلى اليمن، بأفكار قومية وبعثية، وهو ما ردّت عليه المملكة بالتحالف مع قيادات ورموز إخوانية وقبلية يمنية، نجحت السعودية في إيصالها عبر ضغوط على القيادات اليمنية إلى مناصب مهمة في وزارة التعليم وإنتاج المناهج الدراسية، بعد استقدام معلمين من جماعة الإخوان المسلمين من دول أخرى، بما يضمن تنفيذ الإستراتيجية السعودية ببقاء اليمن في إطار محاربة الشيوعية.

وفي ظلّ الاستهداف السعودي للحزب الاشتراكي اليمني، الذي كان يقود الجمهورية الماركسية في اليمن الجنوبي بعدن، وثّقت السعودية تحالفها مع الإخوان المسلمين اليمنيين، والنظام في اليمن، لمحاربة الجبهة الوطنية اليسارية، ووظفت، في سبيل ذلك، قيادات إخوانية من الخطباء المؤثرين العائدين من الجهاد في أفغانستان ضدّ الاحتلال الشيوعي السوفييتي؛ كالشيخ عبد المجيد الزنداني.

ما بعد “الربيع العربي”

أسهم متغيران رئيسان في إعادة ترسيم العلاقة بين السعودية وتنظيم الإخوان المسلمين في اليمن، في إطار تداعيات “الربيع العربي”، بعد اختطاف هذا “الربيع” من قبل فصائل الإسلام السياسي، وتقاسمه بين الإخوان المسلمين، باعتبارهم العنوان الأبرز للإسلام السياسي بصيغته التي ترى في صناديق الاقتراع طريقاً يحظى بقبول دولي بالوصول إلى السلطة، لتحقيق إستراتيجية الإخوان المسلمين العميقة بإقامة دولة الخلافة الإسلامية بالتدرّج، والتنظيمات الإرهابية، ممثلة بداعش والقاعدة والتنظيمات المرتبطة بهما، تحت مسميات مختلفة، في الدول التي شهدت ثورات على أنظمة الحكم، التي ترى أنّ الفرصة أصبحت مواتية لإعلان الخلافة الإسلامية، وهو ما شهده العراق وسوريا وأجزاء من ليبيا وسيناء في مصر.

أول هذه المتغيرات؛ التغيير الذي تمّ في مصر بوصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، ودور السعودية المساند للرئيس السيسي بإقصاء الإخوان عن السلطة، وهو ما يعني موقفاً سعودياً ثابتاً ضدّ كافة تنظيمات الإخوان المسلمين في كافة الساحات، في موقف عبّر بوضوح عن انحياز السعودية ضدّ الإخوان المسلمين.

وثاني المتغيرات؛ تحوّلات الإخوان المسلمين في اليمن، بتعزيز التحالف مع دولة قطر على حساب تحالف تاريخي مع السعودية، وهو ما عدّته المملكة تحدّياً لها، خاصّة بعد أزمة قطر مع جيرانها في السعودية والإمارات والبحرين، إضافة لمصر، بقيادتها الجديدة ممثلة بالرئيس السيسي والمؤسسة العسكرية المصرية، وفي هذه المحطة اتسمت العلاقة بين السعودية وإخوان اليمن بعداءٍ سعوديّ معلَن، خاصّة بعد وقوفهم ضدّ الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، وتردّد حينها أنّ قيادات في حزب الإصلاح فشلت في عقد لقاءات مع القيادة السعودية، التي تجاهلت طلبات تقدّم بها رئيس الهيئة العليا لحزب الإصلاح، محمد اليدومي، خلال العام 2014، بسبب الرفض السعودي المطلق لأيّة حوارات مع إخوان اليمن.

وبعد استيلاء الحوثيين على صنعاء، أعادت السعودية مرجعيات صراعها في اليمن، باستبدال الحرب التاريخية ضدّ الشيوعية، إلى حرب ضدّ الشيعية الجعفرية الإثني عشرية، المدعومة من إيران، وتبدّلت التحالفات؛ حيث أصبح علي عبد الله صالح خصماً إلى جانب الحوثيين، وبدأت مؤشرات على إمكانية عودة الدفء لعلاقات السعودية بإخوان اليمن، في إطار صياغة الصراع في اليمن وعليه على أسس مذهبية، بعد استعداد تيارات من داخل حزب الإصلاح لحمل السلاح ضدّ الحوثيين، وتأييد القصف الذي دول التحالف بقيادة السعودية والإمارات ضدّ الحوثيين وتيار عبدالله صالح.

وفي تطورات ما بعد تصفية الرئيس صالح على أيدي الحوثيين؛ حاولت المملكة السعودية إعادة ترتيب أوراقها مع الإخوان المسلمين في اليمن؛ حيث تمّ استدعاء زعيم التجمع اليمني للإصلاح، محمد اليدومي، إلى الرياض، وعقد لقاء مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، في إطار محاولة سعودية لإقناع الإصلاح بالاصطفاف إلى الشرعية اليمنية ومقاتلة الحوثي، وتردّد في أوساط يمنية أنّ هناك تبايناً بين الرؤيتين؛ الإماراتية والسعودية؛ ففي الوقت الذي تتطلع فيه الإمارات لإقناع الإصلاح بالانضمام للجهود التي يقودها تيار في المؤتمر الشعبي بقيادة ابن علي عبد الله صالح (أحمد)، وابن عمّه (طارق) الذي تمكّن من الهروب من قبضة الحوثيين، خلال معارك تصفية الرئيس صالح، فإنّ رؤية السعودية كانت أن ينضم الإصلاح للقتال إلى جانب الشرعية اليمنية، ممثلة بالرئيس هادي وعلي محسن الأحمر، ومع ذلك كانت نتائج هذا اللقاء محدودة، ربما بفعل التأثير القطري في الإخوان المسلمين؛ حيث ظلّ موقف الإصلاح باهتاً، وربما متواطئاً في التعاون مع الحوثيين، في إطار براغماتية إخوانية معروفة، وقد دلّل الخطاب الإعلامي للإصلاح في قضية أزمة جزيرة سقطرى اليمنية قبل أسابيع، انحيازات معلنة ضدّ الإمارات، واتهامها باحتلال الجزيرة الإستراتيجية، بانحياز معلَن إلى جانب قطر وتركيا، ودون أن يصل حدّ الهجوم من قبل الإصلاح على السعودية، التي تمكّنت من إيجاد صيغة حلّ مناسبة، تمّ بموجبها إدخال بعض القوات السعودية الصغيرة للجزيرة.