الرئيسية » أخبار رئيسية » فاطمة ناعوت تكتب: زهرةٌ بين منال ميخائيل و… بسملة
أم الدنيا ـ فاطمة ناعوت تكتب: زهرةٌ بين منال ميخائيل و... بسملة
فاطمة ناعوت

فاطمة ناعوت تكتب: زهرةٌ بين منال ميخائيل و… بسملة

صبيةٌ مصريةٌ سمراءُ مليحةٌ. وجهُها الجميلُ منحوتٌ بإزميل مهندس الوجود الأعظم. صاغَ اللهُ جمالَها الفريدَ لتكون «موديل» فاتنًا يستلهمُه الرسّامون والنحّاتون ليقدّموا للخلود قطعًا من الفنِّ العابر للزمان والمكان. الصبيّةُ الجميلة اسمُها: «بسملة على عبدالحميد». تلميذةٌ متفوقة بالصف الثانى الإعدادى بمدرسة الشهيد محمد جمال صابر، محافظة دمياط.

سيدةٌ مصريةٌ جميلةٌ ومثقفة على درجة محافظ. عقلُها الرفيعُ منحوتٌ بإزميل أجدادها المصريين عظماءِ الحضارة وبُناة المجد. اختارتها القيادةُ السياسية الواعية لتكون نموذجًا محترمًا راقيًا وفريدًا؛ يستلهمه المحافظون والوزراءُ وصناعُ القرار فى أرجاء مصر، ليقدّموا لمصر مِشعلَ تحضُّرِها الغاربَ؛ الذى نرجوه، ونحلم بعودته منذ عقود طوال، لنرفع رؤوسنا من جديد بين مصافّ دول العالم المتحضر. السيدةُ الجميلة اسمُها منال ميخائيل عوض، محافظ دمياط.

باقةُ زهور زاهيةٌ مشرقة، قدّمتها يدُ السيدة الجميلة، إلى يد الصبية الجميلة، فى واقعة سوف يدوّنها التاريخُ فى مدونات الشرف الخالدة. تلك زهورٌ تحملُ من الكلام والمعنى ما لم تكتبه القصائدُ والأغانى. تقولُ الزهرةُ: «يدٌ طيبةٌ زرعتنى، ويدٌ طيبةٌ قدّمتنى ليدٍ صغيرة طيبة؛ لتعطى للعالم درسًا جميلا وصعبًا».

وأما الدرسُ الصعبُ فهو موجّهٌ إلى مُعلّم تربوى، ولكنه للأسف فقيرُ الإدراك، فقيرُ الروح، لم يتعلّم ألف باء التربية والتعليم والقيم الإنسانية الرفيعة؛ التى تعلو بمجتمع إنِ انتعشتْ، وتهبط به إنْ غابتْ.

الحكايةُ أشهرُ من أن أُعيد سردها هنا، لكنها باختصار أن ذاك المعلم جعل تلاميذ الفصل يسخرون من لون بشرة الفتاة السمراء المتفوقة والجميلة. لكنّ التلاميذ ذوى الوعى المُبكّر استنكروا سلوكَ المعلم، حينما شاهدوا دموعَ «بسملة» تنهمر دون توقّف، وامتنعت عن الذهاب إلى المدرسة أيامًا طوالا.

نشر الحكايةَ شابٌّ نوبى مثقفٌ، حمدى سليمان، على السوشيال ميديا. فانزعج المجتمعُ المصرى المتحضر بكامله، وتحرّك المسؤولون بقيادة د. سيد سويلم، وكيل وزارة التعليم فى دمياط، لردّ الاعتبار للصبية الجميلة «بسملة». ثم توّجتْ تلك التحركاتِ زيارةُ محافظ دمياط، د. منال ميخائيل، للمدرسة وتقديم باقة زهور إلى «بسملة» مُغلّفًا بعناق المحبة. وتمّ نقل ذلك المعلم إلى مكان آخر، وهو بالتأكيد عقابٌ مبدئى غيرُ كافٍ، ننتظر أن ينتهى بمجلس تأديب؛ ليكون جرسَ إنذار لأى معلّم آخر لا يدرك قيمة الثروة البشرية، التلاميذ، التى تقومُ مصرُ على تنشئتها لتغدو زادَ الغد وحاملى مشعل نهضتها.

ذلك المعلم فقير العلم بالتأكيد، لم يقرأ دستور بلادنا الذى تنصُّ مادته رقم ٥٣ على التالى: «المواطنون لدى القانون سواء. متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العِرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر. التمييز والحضّ على الكراهية جريمةٌ، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانونُ إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.

حكاية «بسملة» ذكّرتنى برواية «الوصمة البشرية»، للأمريكى «فيليب روث»، التى ترجمتُها للعربية، وصدرت فى مصر عن «الهيئة العامة للكتاب» عام ٢٠١٢، وفى بغداد عن دار «المدى» هذا العام ٢٠١٨. أستاذٌ فى إحدى الجامعات الأمريكية الرفيعة، يُدرّسُ الأدب البريطانى. تغيّب طالبان عن فصله طوال العام، فأطلق عليهما البروفيسور لقبَ Spooks بمعنى «أشباح»؛ باعتبار أنهما مختفيان لا يظهران أبدًا فى الجامعة. ولسوء حظه كان هذان الطالبان من الُملوّنين، ولم يكن يدرى. فرفعا ضده قضية عنصرية، لأن من حظّه العسر أن تلك الكلمة Spooks نعتٌ مُسىء للملوّنين. ولن أحكى لكم ماذا حدث لذاك البروفيسور العظيم من ويلات وازدراء وتشريد وفصل من الجامعة، انتهت بموته، مقابل كلمة بسيطة قالها دون قصد، عن طالبين لم يرهما فى حياته. أرجو أن أرى اليوم الذى تُطبق فيه مادة الدستور ٥٣ على كل طائفى وعنصرى ولا إنسانى فى مجتمعنا المصرى العظيم.

د. منال ميخائيل، كم أنتِ عظيمة، أحبك كثيرًا. بسملة، أنت أجملُ صبيّة فى الوجود، وقطعًا تعرفين ذلك، أحبُّكِ كثيرًا.

نقلا عن المصري اليوم