الرئيسية » أخبار رئيسية » ماذا يعني التطهير السعودي للشرق الأوسط؟
أم الدنيا ـ ماذا يعني التطهير السعودي للشرق الأوسط؟

ماذا يعني التطهير السعودي للشرق الأوسط؟

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» مقالا للكاتب مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، يسلط فيه الضوء على حملة الاعتقالات التي شنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ضد عدد من المسؤولين والشخصيات البارزة.

وأشار المقال إلى تداعيات تلك التحركات الأخيرة بالنسبة للشرق الأوسط، موضحا أن الأمير الشاب يستكمل النمط الذي بدأه منذ عام 2015 والخطوات المتهورة التي تؤدي إلى مزيد من الانزلاق والانهيار في مستنقعات دموية ومزعزعة للاستقرار.

إليكم نص المقال:

هيمنت الأزمات الدولية والمحلية على المملكة العربية السعودية خلال عطلة نهاية الأسبوع. يوم السبت الماضي، تم اعتقال مجموعة واسعة من الأمراء والمسؤولين السعوديين تحت مسمى حملة جديدة ضد الفساد، وفى اليوم نفسه استقال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، في بث مباشر من الرياض، كما أصاب صاروخ حوثي الرياض من اليمن، مما دفع السعودية إلى إغلاق حدود جارتها المحاصرة بالفعل.

ركز المحللون والمسؤولون الموالون للحكومة على مسألة الفساد وروجوا للاعتقالات كدليل على تفاني الملك وولي العهد محمد بن سلمان، في الإصلاح، وفي المقابل، أشار معظم المحللين المستقلين إلى التوطيد السريع للسلطة من قبل ولي العهد، الذي يبدو أنه يزيل بشكل منهجي المناوئين المحتملين لسلطته قبل خلافته العرش.

وفي حين أن النطاق الكامل والنتيجة النهائية لعمليات الاعتقال لا تزال غير واضحة، فإنه ينبغي فهم التطورات الجديدة في سياق التفاعل بين اندفاع محمد بن سلمان نحو توطيد السلطة المحلية، وبين الموقف الإقليمي السعودي غير المستقر.

إن طموحات بن سلمان السياسية الداخلية وتحركاته على مستوى السياسة الخارجية قد تكشفت إلى حد بعيد، وعلى الرغم من أنها لم يسبق لها مثيل فإن تطورات نهاية الأسبوع تتبع النمط الذي اعتاده محمد بن سلمان منذ بداية صعوده السريع إلى السلطة عام 2015، من حيث شن حملات مفاجئة وواسعة النطاق لأسباب غير واضحة تحطم باستمرار المعايير السائدة، وفي ظل حالة غير مسبوقة من التقلب محليا وإقليميا.

في الداخل، لم تثبت هذه الاستراتيجية السياسية المتهورة نجاحا كبيرا، أما في الخارج، فقد تحولت معارك سياسته الخارجية مثل التدخل في اليمن والحصار المفروض على قطر بشكل سريع إلى مستنقعات مدمرة، هذا المزيج من النجاح المحدود داخليا والفشل الذريع خارجيا يساعد على جعل عاصفة الاعتقالات نهاية تبدو أكثر منطقية، ويمكن أن تساعد في معاينة ما يأتي بعد ذلك.

الفساد أو التدعيم؟

وضعت الحكومة السعودية والمعلقون المتعاطفون الاعتقالات الأخيرة في إطار خطوة جديدة ضد الفساد. الفساد هو مصدر قلق سعودي واسع النطاق، وترويج صورة محمد بن سلمان في مواجهة الفساد سيكون أمرا موجها سياسيا، لكن ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الفساد هو المبرر الحقيقي للقمع.

تبدو حملة الاعتقالات السعودية كعملية تطهير كلاسيكية: إزالة المنافسين البارزين وتحييد مراكز القوى، بطريقة تهدف إلى تخويف المعارضين المحتملين الأقل شهرة. بالنسبة لابن سلمان، يتأكد أن فوائد تأمين انتقاله الفوري للسلطة تفوق مخاطر توليد معارضة خطيرة على المدى الطويل.

كان كسر القواعد والمعايير الراسخة جزءا ثابتا من استراتيجية محمد بن سلمان السياسية. التحرك ضد مجموعة واسعة من الأمراء المنافسين ومراكز السلطة كان مفاجئا وضخما، وتم تصميمه بهذا الشكل في وقت واحد ليحدث صدمة قوية وبالتالي يعيق احتمالية أي استجابة منظمة موحدة، وقد مكنته هذه الاستراتيجية من توطيد السلطة بسرعة ملحوظة، لكن مع توليد معارضة محتملة كبيرة آخذه في النمو.

الاعتقالات شملت الأمير متعب بن عبد الله، ابن الملك السابق ورئيس الحرس الوطني، الذي يشكل المعبر العسكري الأولي لطموح الأمير الشاب، كما شملت عددا ممن يشغلون مناصب رئيسية حاسمة لتنفيذ خططه للإصلاح الاقتصادي، إلى جانب اعتقال الأمير الوليد بن طلال، أحد أغنى الرجال وأكثرهم نفوذا على مستوى العالم، واللاعب الرائد في وسائل الإعلام السعودية والعربية.

ويأتي استهداف هذه الشخصيات الرفيعة المستوى في أعقاب موجة من الاعتقالات لمنشقين إسلاميين محتملين، وإقصاء ولي العهد السابق محمد بن نايف، ووجود جو عام من القمع المتزايد، وقد يكون قرار السماح للمرأة السعودية بالقيادة وكبح جماح الشرطة الدينية خطوات جزئية ومحددة، ولكنها كان يتم النظر إليها عادة كخطوط حمراء لا يمكن عبورها دون المخاطرة بعدم الاستقرار.

وحتى التمرير المتحيز للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي عرضت في رؤيته لعام 2030 يبدو أنه يدفع إلى إنشاء نظام شخصي للحكم دون الضوابط والتوازنات التي اتسم بها عادة نظام الحكم السعودي.

البعد الدولي

كانت مقامرات السياسة الخارجية لمحمد بن سلمان طموحة بالمثل في سرعتها ونطاقها، ولكنها لم تحقق نتائج مرجوة، وأثبتت كل مبادرة رئيسية أطلقها ابن سلمان في السياسة الخارجية أنها كارثية، وغالبا ما تنتج النتائج السلبية التي كان يهدف من تحركه بالأساس إلى منعها، وأبرز مثالين هما الحملات ضد اليمن وقطر.

لقد كان التدخل في اليمن كارثة بكل المقاييس، وأيا كان مبرر التدخل الأولي، فإنه بعد التقدم الذي أحرزته حركة أنصار الله، كان من الواضح منذ وقت طويل أن التدخل العسكري قد فشل، ورغم ذلك واصل التحالف السعودي الإماراتي حملة حصار وتفجيرات لا هوادة فيها دون أي أفق سياسي ذي معنى أو نظرية واضحة للانتصار، وكان الأثر الإنساني كارثيا، ويكشف الهجوم الصاروخي الذي وقع في نهاية الأسبوع الماضي على الرياض أن تكاليف هذا المأزق لا يمكن احتواؤها داخل اليمن فقط.

على نحو مماثل، كانت الحملة ضد قطر كارثية، مما أدى إلى تدمير مجلس التعاون الخليجي بشكل فعال في محاولة وهمية لفرض القيادة السعودية ـ الإماراتية، وعلى الرغم من الوعد بالاستسلام القطري السريع، استقر الصراع بسرعة في مأزق راسخ أدى إلى شل مجلس التعاون الخليجي وتصعيد الاستقطاب السام للسياسات الإقليمية.

المستنقع الخليجي كشف أيضا عن ضعف السعودية وعدم قدرتها على لعب دور الهيمنة الإقليمية الذي تطمح إليه، وحتى في الشراكة مع دولة الإمارات، تمكنت السعودية من جلب البحرين ومصر فقط إلى تحالفها المناهض لقطر، في حين أن بقية دول المنطقة كافحت من أجل تجنب الانحياز.

هذا النمط يثير مخاوف حقيقية حول المكون الإقليمي لتحركات نهاية الأسبوع: إعلان الحريري استقالته من الرياض، وتصعيد الحرب اليمنية في أعقاب صاروخ استهدف الرياض، حيث يمكن اعتبار ذلك تطورات سعودية محلية في المقام الأول.

في السياق الحالي، يخشى العديد من المراقبين الإقليميين أن تستغل السعودية الفرصة لتصعيد المواجهة الإقليمية مع إيران، ومن غير الواضح ما يمكن أن تفعله السعودية في اليمن بعد سنوات من الحصار وحملات القصف المتواصلة، ويخشى الكثيرون من أن استقالة الحريري تشير إلى أن التصعيد سيشمل تحركا عسكريا يستهدف حزب الله في لبنان، سواء بشكل مباشر أو عن طريق وكلاء محليين.

إن مثل هذا التصعيد ضد حزب الله سيتناسب مع نمط محمد بن سلمان من مبادرات السياسة الخارجية المتهورة التي تهدف إلى كسب انتصارات شعبية سريعة ضد إيران، ومن المؤكد تقريبا أنه يتبع نمطه المعتاد للانهيار بشكل سريع إلى مستنقع دموي مزعزع للاستقرار.

المقال من المصدر