الرئيسية » أخبار رئيسية » سامح عسكر يكتب: ابن تيمية يبيح قتل المُصلّين في مسجد الروضة

سامح عسكر يكتب: ابن تيمية يبيح قتل المُصلّين في مسجد الروضة

منذ عام 2006 وتجري مَقتَلة عظيمة للمسلمين والعرب بأثر إحياء التطرف الديني الذي كان قبل هذا العام له ملمح سياسي أيدلوجي، لكن بعد هذا العام أصبح طائفي دفع المسلمون فيها حتى الآن ملايين الضحايا والأرقام مرشحة للزيادة.

يسأل سائل ما هي تلك القوة التي تخيف العالم وتُرهب المسلمين في بيوتهم؟..أكيد لهي قوة عُظمى لم تخطر على بال بشر..وأنا أؤكد أنها قوة عُظمى بالفعل لأنها نقلت الإرهاب والجريمة من نطاق الجيوش والعصابات إلى داخل الإنسان نفسه، فبات على كل إنسان عربي أو مسلم متدين أن يُطبّق قناعاته الدينية بالحرف..ذلك لأن التدين الإسلامي –خصوصا السني – له سمة حَرَكية تؤمن بالاتساع والتبشير وغزو العالم، فهو ليس تدينا ساكنا يدعو للفضيلة والقيم بل يستعين بهذه الفضائل في سياق إثبات دعوته الكُبرى وهدفه الأسمى بسيادة الإسلام على سائر البشر..

قبل ذلك عقدت عدة حلقات عن الشيخ ابن تيمية وشرحت طبيعة أفكاره التي يمكن وصفها (بالعدوانية المحضة) فالقارئ الجيد لكتبه يلمح ذلك من تأليه للنفس ودونية وحب سيطرة ووصاية، بل كان يكذب بشراسة..وغريب استعمالي هذا الوصف للكذب لكنني مضطر لذلك فالرجل من فرط ادعائه الإجماع وإصدار الأحكام العامة والمرسلة تشعر أنك تعيش في مصنع كذب، ولم لا والشخص العدواني ضيق الأفق لا يتسم بالصدق، فهو إذن – أي ابن تيمية- يحاكي طبيعته فحسب ويُترجم تلك الطبيعة في مصنفات كتابية أغلبها ليست علمية بل تُصنف وفق أعراض الاكتئاب والمرض النفسي.

أمس فجعت مصر والعالم أجمع باستشهاد 300 مصلي في مسجد الروضة قرب مدينة العريش في سيناء المصرية، والحادث وفق رواية النيابة وشهود عيان نفذه حوالي 30 مسلح يرددون صيحات الله أكبر ويحملون أعلام داعش، وبغض النظر عن التحليل الأمني والسياسي هذا ليس موضوعنا..ولكن سأرتكز على نقطة هامة في الحادث ، وهي طبيعة الضحية التي أثبتت التحقيقات أن المسجد يتبع للطريقة (الجريرية) الصوفية..وتُقام فيه مراسم الذكر الجماعي والمديح لآل البيت كسلوك عام للتصوف.

ما هذا الذي يدعو أي فئة لقتل العابدين في المساجد؟..إنه ليس فقط مجرما عديم الإنسانية ولكن أيضا عديم الدين متشبع بأفكار وفتاوى أخذت سياقها التاريخي والتراكمي ككرة الثلج حتى وصلت لدرجة من الشناعة لا يمكن وصفها، وفي تقديري لا يمكن للجاني أن يفعل ذلك مطمئن وهادئ السريرة إلا بمرجعية فكرية ليست فقط تجيز له ذلك بل تُشعِل في قلبه الحماسة لتنفيذ جريمته ثم الانسحاب بكل ارتياح.

مبدئيا ولكي لا نعيد ما كتبناه في شأن ابن تيمية سأطرح عدة أصول في الفكر الإرهابي والتشدد الديني عامة:

أولا: التطرف الديني (نصّي) أي يقدم النقل على العقل ، وهذه سمة أهل الحديث عموما كالحنابلة والشافعية، يقوم فيه الإرهابي بتقديم النصوص البشرية وتفاسيرها القرآنية على العقل والفضائل، ذلك لأن التحسين والتقبيح لديه شرعي نصي وليس عقلي، أي لا يمكن للإرهابي اكتشاف قُبح جريمته..هذا ليس منهجه أصلا.

ثانيا: أحيا ابن تيمية هذا التطرف الديني في القرن السابع الهجري بإضافة نزعة عنف غير مسبوقة على التراث، واشتعلت كتبه بفتاوى إهدار الدم وقتل الناس على الصغائر، وفي بحوث سابقة طرحنا ذلك بالأدلة من كتبه.

ثالثا: بعد موت ابن تيمية ظل الرجل شيخ عادي له وعليه..حتى أحيا منهجه الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة العربية، وأسست الوهابية دينا جديدا قائم على أفكار ابن تيمية بالحرف.

رابعا: في مطلع السبعينات بدأت تشتعل حوادث العنف الإرهابية من قِبَل الجماعات، والتي استقوها من كتابات ابن تيمية والحنابلة القدماء ..إضافة لنزعة ثورية وأدبية مؤثرة من كتابات سيد قطب.

خامسا: نشأ تنظيم القاعدة في أفغانستان وخلال حقبة التسعينات ومطلع الألفية الجديدة نفذ عدة عمليات إرهابية كان ضحاياها أكثرهم في دول أجنبية، والقاعدة هي النسخة الوهابية الأقدم التي ثار عليها الملك عبدالعزيز آل سعود في القرن العشرين واستبدلها بنسخة وهابية أحدث موالية للحاكم وتدعو لإحياء أفكار ابن تيمية من جديد وفق إرادة الحكام.

سادسا: بعد الربيع العربي 2010 انتشرت الجماعات بشكل مفزع وأضخم وأقوى من ذي قبل، وكانت من نتيجة ذلك نشوء جماعة داعش من رحم القاعدة..تريد فيها إحياء المذهب الوهابي القديم بلمحته الثورية وتطبيق فتاوى ابن تيمية بشكل أكثر حرفية من نظرائهم في الجماعات، فالدواعش في الحقيقة طبقوا كل ما جاء في التراث بقضه وقضيضه، حلوه ومُرّه..حلاله وحرامه..في ما كانت بعض هذه الأشياء محل خلاف فقهي بين علماء القاعدة والسلفية الجهادية في السابق.

الآن وصلنا إلى سيناء وجريمة مسجد الروضة التي استكملت فيها الجماعات جرائمهم في التراث..ولكن هذه المرة من خلفية تيمية محضة نسوق فيها بِضعاَ من أفكار الرجل..وكيف أسس أكبر وأبشع فوضى في منطقة الشرق الأوسط..

في البداية يضع ابن تيمية المنهج وهو أن تغيير المنكر (بالقتل) هكذا دون اعتبار لآراء المخالفين أو الاستماع لحجج وأدلة الخصوم..أو يتواضع ويُنزّه نفسه عن القتل كي لا يُكتَب عند الله مجرما، يقول الرجل في كتابه الحسبة صـ 171..” وقول النبي: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده} يوجب ذلك أيضا؛ لأنه قد أمر بتغييره بيده على أي وجه أمكن ذلك، فإذا لم يمكنه تغييره إلا بالقتل فعليه قتله حتى يزيله”..فالرجل يدعو صراحة بأن معالجة المنكر ليست بالنصح أو حتى التهديد بل بالقتل.

والسؤال هنا: أن ضحايا مسجد الروضة صوفيون مبتدعة حسب مذهب داعش الوهابي، وبالتالي عليهم الكف عن بدعتهم وإلا قُتِلوا..ولأنهم يمارسون شعائرهم بحماية المجتمع والسلطة اطمئنوا حتى باغتهم الإرهابيون في صلاة الجمعة، بل وحسب بعض شهود العيان والصحفيين دخل الإرهابيون على القرية نفسها وقتلوا مزيد من الرجال وحرقوا سياراتهم باتباع لسياسة الأرض المحروقة التي اشتهر بها الروس قديما والجيش العراقي في حرب الكويت حديثا.

ليس هذا فقط بل أجاز ابن تيمية قتل الناس بالشُبهة، كمن يشك في زميله أو جاره أنه زنديق ومرتد فقال..” وأما قتل من أظهر الإسلام وأبطن كفرا منه، وهو المنافق الذي تسميه الفقهاء الزنديق، فأكثر الفقهاء على أنه يقتل وإن تاب، كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وأحد القولين في مذهب أبي حنيفة والشافعي، ومن كان داعيا منهم إلى الضلال لا ينكف شره إلا بقتله، قتل أيضا”..(الفتاوى الكبرى 3/ 515)

والصوفيون كما يصفهم الوهابية (ملحدين زنادقة باطنية) أي تحقق فيهم شرط القتل بإظهار الإسلام وإبطان الكُفر، فالتوسل كما هو مُجمع عليه في أوساطهم شرك بالله صريح، والذكر الجماعي الذي يفعلوه بدعة مُحدثة لم ترد عن الأولين.

لاحظ أن شخصية الإرهابي تتشكل عبر الفتاوى وليست عبر العلوم والتقصي، فالإرهابيون عموما جهلة بالدين يتبعون الأسهل في استنتاج الأحكام، وليست لهم دراية بعلوم أخرى فقهية كالمصالح المرسلة وفقه المآلات والقياسات الضمنية، بل حتى التاريخ جهلة به لا يعلمون كيف جاء شيخهم بتلك الفتاوى وكيف قرأ القرآن والحديث، بل أزعم أن لديهم حساسية من البحث من كثرة وضع الفقهاء سياجات فكرية حول أفكارهم وحصون منيعة يصعب اختراقها بقواعد مثلا ..”من شك في كفره فهو كافر”..و..”من تمنطق فقد تزندق”..و..”آفة الرجل عقله”..وهكذا يقع الإرهابي أسيرا لشيخه لا يمكنه الفُكاك إلا لو شك في نفسه أصلا..

ومثال آخر قول الرجل ..” وكذلك كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، أو الباطنة المعلومة، فإنه يجب قتالها، فلو قالوا ….لا نجاهد في سبيل الله، ولا نضرب الجزية على اليهود والنصارى، ونحو ذلك، قوتلوا حتى يفعلوا ذلك”..(الفتاوى الكبرى 2/ 32) ومشهور موقف الصوفية من الجهاد فهم يعملون على تهذيب النفس وإحكامها سلوكيا في المنهج، والجهاد لديهم ليس غزوا بل دفاعا عن النفس..كذلك هم في مصر مؤيدين للحكومة التي (لا تفرض الجزية على النصارى) فهم إذن مستحقين للقتال.

شئ مهم في أسلوب ابن تيمية أنه يُهمِل لوازم كلامه ويُكثِر من التعميم والفجاجة في الإسقاط، حتى إذا جاء من بعده يطبق ما قاله ربما يستغربه للإنصاف، فالرجل كثير الأخطاء الأدبية والمنطقية..ومثل هذا الخطأ له نتائج تراكمية بحيث يُأوّل كلامه على غير معناه، هنا ربما ألتمس له العذر شخصيا، لكن فكريا لا أعذار فالرجل يُفتي بقتال فئات من المجتمع لا تنصاع لشريعته الخاصة، كيف ذلك وقد قال في إسقاطه الفج..”شرائع باطنة معلومة”..يعني استنتاجات فقهية له ولأتباعه صارت بحكم الدين لا يجوز الخروج عنها وإلا لما يُفرّق بينها وبين نص الشارع.

كذلك قول الرجل في حق الصوفية بوضوح..” ” فكل من غلا في حي أو في رجل صالح , كمثل علي رضي الله عنه أو عدي أو نحوه , أو في من يعتقد فيه الصلاح كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القتي ونحوهم , وجعل فيه نوعا من الإلهية , مثل أن يقول كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده , أو يقول إذا ذبح شاة باسم سيدي أو يعبده بالسجود له أو لغيره , أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول : يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني , أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك , أو أنت حسبي أو أنا في حسبك , أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى , فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل “..مجموع الفتاوى ( ٣٩٥/٣)

هنا محاكمة شخصية لابن تيمية فهو يفتي صراحة بقتل المتصوفة

وقد سبق عرض رأيه في التوسل إشارة وفي هذا النص تفصيل، أتخيله كالرئيس الأمريكي الأسبق..”جورج بوش”..وهو يعلن أسماء محور الشر، فمن لم يكن معنا فهو ضدنا، نعم فحروب العراق وأفغانستان خرجت من نفس عدوانية انتقامية مريضة نفسيا بآلام وغرور الذات، أحسب أن ابن تيمية عانى منها في أكثر كتاباته، ومن يتأمل طباع أمريكا الإمبريالية وهي تفرض قيمها الخاصة ورؤيتها السياسية يعود بخياله 7 قرون إلى الوراء ليُعاصر ابن تيمية وهو يكتب، وكأن الرجل كان إمبراطورية بمفرده مَلَكت عقول وقلوب ملايين المسلمين الذين باعوا أرواحهم في سبيل تحقيق شريعة الشيخ.

وهنا أقف وقفة: أن الرجل ربما لم يكن يتوقع أن تُطبّق تعاليمه بالحرف، فهو كان يكتب بخياله الفقهي ليس بغرض إقامة دولة إسلامية بل إرضاء لنفسه ليس إلا، وكأنه كان ينتقم من مجموعات بعينها أذلّوه في المناظرات من فقهاء مصر والشام، ومشهور تاريخيا تلك المناظرات التي حكمت عليه أخيرا بالسجن والاستتابة.. وباتفاق المذاهب الأربعة، أستحضر في هذه اللحظة عاشقا وهو يكتب لعشيقته الخائنة ..ماذا سيكتب؟..أكيد سيُفرّغ كراهيته وأحقاده لينتقم، لكن انتقام ابن تيمية لم يكن في فقهاء عصره بل في أجيال لاحقة بمئات السنين.

والدليل على تقمص ابن تيمية دور العاشق هنا ما كتبه في حق المتصوفة بقتل من يأكل الحشيشة بقوله..” الحمد لله. هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر؛ والسكر منها حرام باتفاق المسلمين؛ ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل مرتدا، لا يصلى عليه؛ ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأما إن اعتقد ذلك قربة، وقال: هي لقيمة الذكر والفكر، وتحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وتنفع في الطريق: فهو أعظم وأكبر”..(الفتاوى الكبرى 3/ 423)

لاحظ قوله..”لقيمة الذكر والفكر – تحرك العزم الساكن”..إنه يتحدث عن المتصوفة الذين حكموا عليه بالسجن وخاصموه حتى أواخر عمره، فالذكر الجماعي للصوفية لم يكن يحلو لهم إلا وهم غائبي الوعي سكارى من الوجد والهيام، وقد ذكر المقريزي أن الشيخ..”حيدر”..مؤسس الطريقة الحيدرية هو من أتى بالحشيش لديار المسلمين من خراسان، وقيل الشيخ..”أحمد الشارجي القلندري”..وعلى كلٍ فالصوفية اشتهروا بالحشيش في عصر ابن تيمية، إذ لم يكن حراما في مذهبهم..حتى لو أدمنوه.

إن موقف ابن تيمية من الصوفية – ومن الآخر – عموما انعكس على شخصية الإرهابي فأصبح يرى المتصوفة أشرار حمقى..بلهاء، وإذا أصروا على بدعتهم يُقتَلوا والدواعش الذين قتلوا صوفية مسجد الروضة في سيناء لم يفعلوا سوى شريعة شيخهم، رغم أن الحشيش لم يعد شراب الصوفية المفضل في هذا العصر، وحل مكانه مشروبات أخرى ساخنة كالقرفة واليانسون تساعد على الهدوء والصياح في الموالد والاحتفالات بشكل أفضل.

أكتفي بهذا القدر من الأدلة على مسئولية ابن تيمية على جريمة مسجد الروضة، إنها ليست محاكمة لشخص بل لفكر، ليست محاكمة لميت بل لحي ما زال يفتي بين أتباعه وتُردد أفكاره ومناهجه على المنابر، واعتبروها صرخة تحذير أن هذه المناهج لو لم تُقبّح إعلاميا ودينيا من الدولة والشعب ستُتنتج مئات الفرق الأخرى على غرار داعش، وما أتينا هنا سوى بالنذر اليسير منعاً للتكلف،ـ وعلى من يُرد الاستزادة فليقرأ كتب الشيخ..

ليس معقولا أن يهجر المسلمون القراءة وقد نشر الإرهابيون الرعب بينهم، على الأقل يقرأوا ليفطنوا العلاج، فالإرهاب كالفيروس لا ينشط إلا في بيئة خاملة ضعيفة المناعة، ولتكن الثقافة هي العلاج أو المضاد الحيوي أو المصل الذي يقضي به المسلمون على الإرهاب، وليعلم القاصي والداني أن تقليد الأئمة كارثة بكل المقاييس..فهؤلاء كتبوا ما كتبوا ليس لنا، بل لزمانهم ولأناس ماتوا منذ قرون، أما الآن فقد اختلفنا تماما وصِرنا نمتلك القدرة على التمييز ، وأصبح الانفتاح ضرورة من ضرورات الحياة كالماء والهواء.

Comments

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .