الرئيسية » أخبار رئيسية » جمال محمد تقي: بين خلافتي داعش وآل سعود شعرة معاوية!

جمال محمد تقي: بين خلافتي داعش وآل سعود شعرة معاوية!

تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” يدين بفقه الجهاد المقترن بالتكفير والهجرة، وهو جوهر فقه اخوان المذهب الوهابي، لذلك كان حراس المذهب يجتهدون للجمع بين الراية والسيف، بين العقيدة والسلطة، بين شيخ الطريقة وشيخ العشيرة، بين الإمارة والاستخارة، بين الخلافة والإمامة. ومن هنا اجتمع محمد بن عبد الوهاب بمحمد بن سعود اجتماع السيف بغمده، فكان ما كان من أمر دولة آل سعود المتلحفة بعباءة التشدد العقائدي الوهابي.

بلا حدود؟

ينافس “داعش” آل سعود في الترجمة الحرفية والعصرية لمفردات المذهب الوهابي، على قاعدة “ليس للإسلام حدود”، وبالتالي ليس للجهاد حدود ما دام في الأرض مَن لا يؤمن بما جاء به بن عبد الوهاب الذي لا يرى للاسلام مذهباً غير مذهبه الداعي لتكفير كل مذاهب الآخرين، سنّة وشيعة. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني هنا غير الأمر بإطاعة الخليفة أو الأمير أو الملك الذي يؤمن بلا نهائية الجهاد على قاعدة التكفير والهجرة، انطلاقاً من قاعدة طاعة أولي الأمر من طاعة الله. وكان مؤسس المملكة، عبد العزيز آل سعود، قد قاتل منذ معركة السبلة العام 1929 المتشدّدين من مناصريه، وهم “إخوان من أطاع الله”، الحركة التي تأسست العام 1911 وتعتبر نفسها وريثة شرعية للوهابية، التي إذا ما خالفها الخليفة نقضت بيعته. وعبد العزيز آل سعود خالفها عندما وضع لجهاد المشركين حدوداً. فهو كان يريد مملكة لها حدود تراعي موازين القوى التي لا تسمح بالتمدد نحو العراق والكويت، والتي كان هؤلاء الإخوان يُعدّون العدة لغزوها باعتبارها ديار شرك لا تمتثل للإسلام الحق.
دولة “داعش” هي من هذا النمط الذي لا يؤمن بأن للجهاد حدوداً وموازين، وهي تنافس خلافة آل سعود على تطبيق المذهب الذي تدّعي بأنها تمثله. ولهذا المذهب مدارس وشيوخ وأتباع داخل المملكة طالما سعت خلافة آل سعود إلى مهادنتهم. مفتي المملكة عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ هو من أحفاد إمام المذهب محمد بن عبد الوهاب، لكن مواقفه المهادنة والمطبّلة لسياسات آل سعود لا تسر أحفاداً آخرين يرون أن سياسات المملكة موالية لأعداء الإسلام، وخاصة بعد السماح للجيوش الأميركية ببناء قواعد ثابتة لها على الأرض السعودية أثناء حرب عاصفة الصحراء ضد العراق، ولأنها لا تناصر الجهاد في فلسطين، ولأنها تحاول منع المجاهدين من الذهاب الى سوريا استسلاماً منها للضغوط الأميركية!
حكام المملكة بارعون في امتصاص دعوات المتشددين وطاقتهم الجهادية بفتح ابواب الجهاد امامهم للمناطق الساخنة البعيدة عن حدود المملكة كأفغانستان والهند والفيليبين، ومن خلال تغذية صراعات طائفية، وأيضاً من خلال التشدد بأمور الأحوال الشخصية داخل المملكة، وبإعلاء شأن المذهب من حيث طغيانه على المذاهب الأخرى، ووضع أوقاف وميزانيات ضخمة تحت تصرف مشايخه لإشباع نهمهم والسماح لهم بقيادة أمور القضاء والإفتاء وممارسة دورهم من خلال لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يلزمها من رجال المطاوعة الذين يترصدون الناس ويتعقبونهم لتطبيق شعائر الدين كالصلاة والتحجب، وهناك أكثر من 12 ألف سعودي وهّابي يقاتلون في سوريا والمملكة تغضّ الطرف عنهم.. بالرغم من كل ذلك، فإن حكام المملكة متهمون بالخروج عن المذهب وبأنهم عصاة. وهكذا يجد الجهاد الوهابي بنسخته الداعشية حاضنة هي من أشد الحواضن نفوذاً، بسبب وفرة البنية الفكرية وسطوة الوهابية على مفاصل الدولة وخاصة منظومتيها التعليمية والوظيفية.

نسخ متصارعة من المبدأ ذاته

الدولة الوهابية بنسختها الداعشية تجاور الآن الدولة الوهابية بنسختها السعودية، فأيهما أكثر اتساقاً مع المذهب؟ أيّهما أكثر إقناعاً لبيئة ما زالت تتوق لدولة وهابية فاضلة نتيجة فشل حكام المملكة بتحديث وعصرنة أسلوب المعاش السائد بخطاب مدني جامع يستمد من روح الدين دستوراً وقوانين وتشريعات ونظماً تعليمية تعتبر الناس أثمن رأسمال، وأن أقصى درجات الجهاد هو جهاد الحرية المسؤولة لأن الله خلق الناس أحراراً ويوم الحساب النهائي هو وحده يوم الدين؟
يبدو أن الوهابية القديمة التي تعايش معها آل سعود طيلة تاريخهم (منذ العام 1744 ولقاء الدرعية بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب) وحتى الآن، قد شاخت، كما حلت الشيخوخة على آل سعود لأن آصرتهما تبادلية وحبلهما السري واحد. والاثنان الآن أمام خيارات صعبة، فإما الموت أو التجدد. الوهابية الجديدة تتجسد بـ “داعش”، وأما آل سعود، فطريق المراوحة في منزلة بين المنزلتين ليس فاعلاً. وإعلانهم أنهم ضد “داعش” والفكر التكفيري الإرهابي، وأنهم يشاركون التحالف الدولي والإقليمي لمواجهته، (وهم فعلاً يواكبون عمليات ضرب داعش، ويجنّبون أنفسهم بذلك أصابع الاتهام التي تشير إليهم). لكن ذلك يجري بلا حسم للاتجاه: فهل يتجاوزون الوهابية الجديدة والقديمة معاً؟

ملكية دستورية

تعوّد آل سعود على إصلاحات ديكورية، وعلى استبدال لائحة حقوق الإنسان بلائحة طويلة من الرشاوى التي تغدق الأموال عند أي استعصاء. ولكن ذلك لا يكفي بإزاء المنافس الجديد، ولا يقي البلاد شر التصارع الداخلي ولا شر التدخل الخارجي طمعاً بثرواتها وموقعها الاستراتيجي. إن إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين، معتقلي الرأي، هو أولى خطوات الإصلاح الذي لا يخدم فقط الشعب في السعودية وإنما حكامها الذين يريدون الاستمرار بحكم البلاد من دون قلق وخوف من شعبهم ، وإجراء حوار للمصالحة الوطنية بين كل المتضررين من الحكم الطائفي القائم على اسس التفرقة القبلية والمناطقية والمذهبية، ومن ثم تشكيل لجنة وطنية من كل الأطراف لوضع مسودة دستور فاعل ليس كدستور 1992 الذي أريد منه ذر الرماد في العيون، وطرحه للاستفتاء العام، وتشكيل هيئة عليا مستقلة مهنية للانتخابات، وتشريع قانون لمجلس النواب والمجالس المحلية بصلاحيات كاملة… ومن الطبيعي أن تكون هناك فترة انتقالية يكون فيها الملك أو من ينوب عنه قائداً عاماً للقوات المسلحة ورئيساً لمجلس الوزراء.
خطوات كهذه لا يُكتب لها النجاح من دون إيمان مطلق بضرورتها كطوق نجاة من التفكك والاضطراب والثورة المفتوحة على كل الاحتمالات. ومن دون تكبيل قوى التشدّد الديني، القدامى والجدد، ومن دول إعلان المملكة بأنها دولة تحترم حقوق الانسان في الداخل والخارج.. هذا قبل أن تحل عليها لعنة الوهابيين الجدد الذين يريدون تغييراً على طريقتهم، والاميركان يريدون اصلاحاً ينقذ مصالحهم، والناس يريدون التغيير.. فماذا يريد آل سعود؟
تفوقت راية “داعش” في التعبير شكلاً ومضموناً عن “الوهابية الحقة”، بلا ألوان وتعقيدات النخلة والسيفين، العابرة والتي لا لزوم لها. اللون الأسود في راية داعش يشير الى العالم المظلم المنحرف عن دين الله، دين نبيه خاتم الأنبياء، والذي بختمه فقط، المعبَّر عنه بالدائرة البيضاء، سيعيد العالم كله إلى الصفاء الإلهي. رايات سهلة، وشعارات سهلة: اسلموا تسلموا، لا للقبور وزياراتها، لا للتماثيل التي تتشبّه بالأصنام، لا لكل اغترابات الحداثة وعقدها، استسلموا للواقع الذي فطركم الله عليه، واقع الإسلام وشرعته الأولى التي تريده “داعش” كعالم له صدى طوباوي يسهِّل مهمة غسل أدمغة المنخرطين أو المتورطين أو التائهين. وهو عالم افتراضي الوصول اليه يتطلب من أصحابه ارتكاب أفظع ما يمكن أن يُرتكب، وكأن ثمن دخول عالم الله هو القدرة على ممارسة ذروة الرذائل!
الوهابيون القدامى والجدد يفترضون لأنفسهم فضاء إلهياً خاصاً بهم يُقصي من لا يجاريهم ويعاقبه بالإلغاء، غير مكتفين بإنكار ما يتخيله الآخرون من فضاء أجمل مستوحى من صورة الله ذاته الجميل والذي يحب الجمال.. أليس ممكناً ألا يكون في عالمنا الواقعي سارق حتى تقطع يده؟ ولا عاصي حتى يجلد.. ليكون الناس أحراراً كما خلقهم الله. فالمال مال الله والمُتع متعه التي لا تتحقق إلا إذا تمتع بها خليفته على الأرض، الإنسان، أياً كان، بمعزل عن دينه ومذهبه ولونه أو جنسه.

 

المصدر: جريدة السفير العربي